أحمد بن محمود السيواسي
239
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
منه ضم اليد اليمنى إلى نفسه ، وفي قوله « وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ » « 1 » هو ضم اليد اليسرى إليه « 2 » ( مِنَ الرَّهْبِ ) بفتح الهاء وسكونه بعد الفتح وسكونه بعد الضم « 3 » الخوف ، أي إذا خفت شيئا فضم يدك إليك لأن اليد للإنسان كالجناح للطير ، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى فقد ضم جناحه إليه ، قال مجاهد رضي اللّه عنه : « من فزع فرد جناحه إليه ذهب عنه الخوف » « 4 » ، روي : أنه رأى بياض يده فخاف فأمر بذلك فعادت كحالها « 5 » ، وقيل : ضم الجناح استعارة للتجلد والتثبت « 6 » ، أي أنه أمر بالثبات والصبر ( فَذانِكَ ) بالتخفيف والتشديد « 7 » ، أي الاثنان المشار إليهما وهما اليد والعصا ( بُرْهانانِ ) أي حجتان ( مِنْ رَبِّكَ ) مرسلا بهما ( إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ) وسميت الحجة برهانا لوضوحها من قولهم امرأة برهرهة بتكرير العين واللام ، وهي البيضاء الشابة التي كأنها ترعد رطوبة ( إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ) [ 32 ] أي عاصين اللّه تعالى بعبادة غيره . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 33 ] قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 ) ( قالَ ) موسى يا ( رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) [ 33 ] أي أن يقتلون نفسي به . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 34 ] وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 34 ) ( وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ ) أي أبين وألحن ( مِنِّي لِساناً ) وكان في لسان موسى عقدة من النار التي أدخلها في فيه ( فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً ) بالهمز وبغيره للتخفيف « 8 » ، أي معينا لي رسالتك ( يُصَدِّقُنِي ) بزيادة البيان ، قرئ « يصدقني » بالرفع صفة أو حال بعد حال ، وبالجزم « 9 » جواب ل « أرسله » ، ومعنى تصديقه موسى إعانته إياه في محمل النظر والمجادلة إن احتاج إليه لاثبات دعواه لا أن يقول له صدقت أو للجماعة صدقوه أو هو صدق يدل عليه قوله « هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً » ، لأنه هذا يقدر عليه الفصيح وغيره ( إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ) [ 34 ] أي فرعون وقومه . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 35 ] قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ ( 35 ) ( قالَ ) اللّه تعالى ( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ ) أي سنقويك ونعينك ( بِأَخِيكَ ) لأن الرجل يقوى بأخيه كقوة اليد بعضدها ، والعضد ما بين المرفق والكتف ( وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً ) أي برهانا وهو اليد والعصا أو غلبة وتسلطا ( فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما ) قوله ( بِآياتِنا ) متعلق ب « نَجْعَلُ » أو ب « لا يصلون » لا ب « الْغالِبُونَ » لامتناع تقوم الصلة على الموصول ، المعنى يمتنعون منكما بآياتنا يعني لا يقدرون على قتلكما ، وقيل : بمحذوف ، أي اذهبا إلى فرعون بآياتنا « 10 » ( أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا ) بالإيمان ( الْغالِبُونَ ) [ 35 ] على القبط بالحجة . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 36 إلى 37 ] فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 36 ) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 37 ) ( فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا ) أي بعلاماتنا ( بَيِّناتٍ ) أي واضحات في الدلالة على ربوبيتنا ، روي : أنه أراهم
--> ( 1 ) طه ( 20 ) ، 22 . ( 2 ) نقل المفسر هذا الرأي عن الكشاف ، 4 / 223 . ( 3 ) « الرهب » : قرأ الشامي وشعبة والأخوان وخلف بضم الراء وسكون الهاء ، وحفص بفتح الراء وسكون الهاء ، والباقون بفتح الراء والهاء . البدور الزاهرة ، 241 . ( 4 ) انظر البغوي ، 4 / 343 . ( 5 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التفسيرية التي راجعتها . ( 6 ) أخذ المؤلف هذا الرأي عن الكشاف ، 4 / 223 . ( 7 ) « فذانك » : قرأ المكي والبصري ورويس بتشديد النون مع المد المشبع ، والباقون بتخفيفها . البدور الزاهرة ، 241 . ( 8 ) « ردءا » : قرأ أبو جعفر ونافع بنقل حركة الهمزة إلى الدال مع حذف الهمزة إلا أن أبا جعفر بالنقل أيضا ، والباقون باسكان الدال وهمزة مفتوحة منونة . البدور الزاهرة ، 241 . ( 9 ) « يصدقني » : قرأ عاصم وحمزة برفع القاف ، والباقون باسكانها ، وأجمعوا على إسكان يائه في الحالين . البدور الزاهرة ، 241 . ( 10 ) لعله اختصره من الكشاف ، 4 / 224 .